عبد الملك الخركوشي النيسابوري

115

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وقال يحيى بن معاذ : لا بدّ للمريد من ثلاثة أسباب : بيت يواريه ، وكفاية يعيش بها ، وعمل يحترفه ، فبيته الخلوة ، وكفايته التوكل ، وحرفته العبادة . وقال الفضيل : المتوكل الواثق باللّه تعالى لا يتهم ربه ولا يشكوه . وقال المصري : لو رجعت إليه في أول الشدائد لأيدك منه بالفوائد ، ولكن رجعت إلى أمثالك فرددت في أشغالك . وقال بعضهم : التوكل هو السكون عن الحركات ، والاعتماد على الحي القيوم فيما وعد عاجلا وآجلا . وقال آخر : التوكل لا هو بالحركة ولا بالسكون ، وإنما هو حالة في القلب . وعن أنس بن مالك رضى اللّه عنه أنه قال : جئت يوما بالماء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليتوضّأ به ، وكان طائر على شجرة يضرب بمنقاره عليها ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا أنس أتعرف ما يقول هذا الطائر ؟ » فقلت : اللّه ورسوله أعلم فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يقول : يا ربّ أنت خلقتني وسويت خلقي ، وأعميت بصرى ، جعت فأطعمني ، قال : فلم يتم الكلام حتى جاءت جرادة فأخذها الطائر فأكلها » . ثم ضرب بمنقاره على الشجرة ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أتعرف ما يقول يا أنس ؟ » فقلت : اللّه ورسوله أعلم ، قال : « يقول : من توكّل على اللّه تعالى فإنّ اللّه سبحانه لا ينساه » . وقال : سهل بن عبد اللّه : لا تصحّ الأمور إلا بالعزم ، ولا يصح العزم إلا بالتوكّل ، ولا يصح التوكّل إلا ببذل الروح ، ولا يصح بذل الروح إلا بترك التدبير . - وسئل بعضهم عن التّوكّل ، فقال : التوكل على خمسة أوجه ؛ كما كان لآدم عليه السّلام وإبراهيم عليه السلام ، وموسى وعيسى صلى اللّه عليهم أجمعين . فتوكل آدم عليه السّلام على حال الاعتبار ، وتوكّل إبراهيم عليه السلام على حال الاضطرار ، وتوكل موسى عليه السلام على حال الاختبار ، وتوكّل عيسى عليه السلام على حال الافتقار ، وتوكل محمّد صلى اللّه عليه وسلم على حال الافتخار ، فتوكل آدم أورثه الاصطفا ، وتوكل إبراهيم أورثه السلام ، وتوكل موسى أورثه الكلام ، وتوكل عيسى أورثه المائدة ، وتوكل محمّد صلى اللّه عليه وسلم أورثه القرب . وحكى عن إبراهيم الخواص أنه لقى الخضر عليه السلام في البادية ، فلم يسلم عليه مخافة أن يفسد عليه توكله .